لا يخفى على أحد اليوم بأن الإسلام يشكِّل أحد أهم انشغالا الفكر العالمي المعاصر, وكان قد تنبَّه لهذا الحُضُور الكثيف والانشغال الفيلسوف الفرنسي الكبير ميشال فوكوعام 1979 بأحد استبصاراته الثاقبة حين كتب يقول: «إن سؤال الإسلام سيكون المسألة الأساسية لحقبتنا في الأعوام القادمة. ويتمثل الشرط الأول في معالجته بالحد الأدنى من التعقل , أن لا نبدأ بإقحام الكراهية فيه». إلا أنه من المؤسف لم يتحقق شرط التعقل وعدم إقحام الكراهية في جملة الخطابات الغربية التي تولت الاشتغال بالإسلام, وتمثل كتابات برنارد لويس، وبنجامين باربر، وصامويل هنتنغتون، ودانيال بايبس، أمثلة نموذجية للكراهيَّة والعدائيَّة والإقصائية التمييزية، التي ساهمت في تشييد صرح وهم الخطر الإسلامي وخطاب الكراهية العدائية للإسلام.
شكلت هذه المحاصرة والتضييق الخارجي لدعوة عودة الإسلام, تحدِّيا كبيرا لا يقل في تأثيره عن المحاصرة الداخليَّة التي تولت كبرها فئات من دعاة الاستئصال الفكري والاجتثاث الحضاري بحجج التنميَّة والتَّقدم والتحديث, ولعلَّ أكثر وأخطر صنوف المحاصرة كانت ذاتية, من قبل حرس التقليد والجمود والتَّعصب والعنف التي وقفت حجر عثرة في طريق التجديد والإبداع, وتعتبر مساهمة الأستاذ الدكتور طه عبد الرحمن أهم المساهمات التجديدية للفكر الديني الإسلامي المعاصر, وقد تولى طرحها في جملة من كتبه أهمها: «العمل الديني وتجديد العقل» ، و«تجديد المنهج في تقويم التراث» ، و«سؤال الأخلاق, مساهمة نقدية للحداثة الغربية» ، و«الحق العربي في الاختلاف الفلسفي» ، و«الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري» ، «روح الحداثة» , ويتمثل الغرض الأساسي لهذا المشروع الكبير والطَّموح بإعادة الاعتبار للمسألة الأخلاقية التي تشكل جوهر الدِّيانة الإسلامية التي غفلت عنها جملة المشاريع الإصلاحية الإسلامية منذ وقت طويل, وذلك من خلال الإسهام في إنشاء فلسفة أخلاقية إسلامية معاصرة, وقد اجتهد أستاذنا طه عبد الرحمن في وضع لبنات هذا المشروع، وعمل على بناء قواعده, حيث بيَّن أن موضوع الفلسفة الأخلاقية عمومًا هو النظر في أفعال الإنسان من حيث اتصافها بالقيمتين: "الخير" ، و"الشر" ؛ ويلزم من هذه الفلسفة حتى إذا تعرضت لأفعال اقتصادية أو سياسية أو معرفية, أنها لا تنظر فيها من جهة هذا الضرب من التقويم الأخلاقي، ولو أن لكل نوع من هذه الأفعال قيمتين مختلفتين تخصُّانه؛ فالفعل الاقتصادي يختص بقيمتين الرواج والكساد, والفعل السياسي يختص بقيمتي المصلحة والمضرة، والفعل المعرفي يختص بقيمتي الفائدة واللغو؛ والسبب في ذلك يرجع في كون هذه القِيَم الأخرى هي نفسها لا تنفك عن الحاجة إلى التقويم الأخلاقي؛ فبالنسبة إلى الفعل الاقتصادي: الرواج خير والكساد شر، وبالنسبة إلى الفعل السياسي المصلحة خير والمضرة شر, وبالنسبة إلى المعرفة الفائدة خير واللغو شر.
ويختلف تصوُّر الأستاذ عبد الرحمن للأخلاق عن تصور الجمهور لها من جانبين على الأقل: أولهما, أن الأخلاق ليست جملة من الصفات الحسنة التي تكمل سلوك الأشخاص, وإنما هي مجموعة من الصِّفات الضرورية لهذا السلوك, بحيث إذا فقدها الفرد, نزل عن رتبته كإنسان وأصبح معدودا في الأنعام؛ ولا هي جملة من محاسن العادات التي يتصف بها تعامل المجتمعات فيما بينها, وإنما هي مجموعة من العادات الضرورية لهذا التعامل, بحيث إذا فقدها المجتمع اختل نظام الحياة فيه وأصبح معدودا في القطعان, ومن هنا تكون ضرورة الأخلاق فوق ضرورة الحاجات المادية للإنسان, لأن فوت الحياة مع وجود الأخلاق خير من حفظها مع عدم الأخلاق؛ والجانب الثاني أن الأخلاق لا تنحصر في مجموعة جزئية من أفعال الإنسان, بل تشمل كل هذه الأفعال بإطلاق؛ فما من فعل يأتيه الإنسان إلا ويصحُّ الحكم عليه بالخير أو الشر, يستوي في ذلك "الفعل الحسي الخالص" كالآكل، و"الفعل العقلي الخالص" كالفهم؛ وحتى إذا ترددنا في أمر هذا الفعل أو ذاك, فإن هذا التردد لا يرجع إلى كونه لا يحتمل هذا الحكم, وإنما لأننا لم نهتد بعد إلى أي الحكمين الأخلاقيين ينطبق عليه, لخفاء أمره في المقام الذي نحن فيه؛ والسر في عموم الحكم الأخلاقي هو أنه علي قدر تخلف الإنسان تتحدد هويته.
وتنبني الفلسفة الأخلاقية الإسلامية على التَّأكيد على صلة الأخلاق بالدين التي لا ينازع فيها إلا مكابر؛ وتتخذ هذه الصِّلة صورا عدة, إحداها: أن الدين هو الأصل في مكارم الأخلاق؛ والثانية: أن الدين هو الأصل في التقويم الأخلاقي للأفعال؛ والثالثة: أن الدين كله أخلاق, أحكامًا ومقاصد.
ويمكن تلخيص الأصول العامة للفلسفة الأخلاقية الإسلامية الجديدة التي استخرجها طه عبد الرحمن أنها تنطلق من مسلمتين أساسيتين هما: لا إنسان بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين, تنبني عليهما نتيجة حاسمة وهي: لا إنسان بغير دين, ويقوم هذا التجديد على إبطال التفرقات المتداولة التي تتفرع عليها النظريات الأخلاقية غير الإسلامية, وهي: التفرقة بين العقل والشرع، والتفرقة بين العقل والقلب، والتفرقة بين العقل والحس, ومن هنا فان أركان النظرية الأخلاقية الإسلامية؛ ثلاثة:
أولها: ركن الميثاق الأول الذي يتعلق بالجمع بين العقل والشرع, ويتفرع عليه أن الأخلاق الإسلامية أخلاقٌ كونية؛لأنها أخلاق مؤسسة لا مجتثة, ومتعدية لا قاصرة, وشاملة لا محدودة.
والثاني: ركن شق الصدر, وهو يتعلق بالجمع بينة العقل والقلب, ويتفرع عليه أن الأخلاق الإسلامية أخلاق عمقيَّة, لأنها أخلاق تطهير لا تجميل, وتأهيل لا تثبيط, وتجديد لا تقليد؛ وبهذا تكون أوفى أخلاق بحاجة الحياة الخاصة للإنسان المنتظر.
والثالث: ركن تحويل القبلة الذي يتعلق بالجمع بين العقل والحس, ويتفرع عليه أن الأخلاق الإسلامية أخلاق حركية, لأنَّها أخلاق إشارة لا عبارة، وانفتاح لا انغلاق، واجتماع لا انقطاع, فتكون أقدر الأخلاق على هداية الإنسان, وبهذا فإن الأخلاق الإسلامية أخلاقٌ كونية لا محلية، وعمقيَّة لا سطحية، وحركية لا جمودية, وكل أخلاق للإنسان تكون هذه هي سماته لا يمكن إلا أن تكون هي الأخلاق الحسنى.
إن ما يميز المشروع التجديدي لأستاذنا طه عبد الرحمن أنه يعتمد على التَّوسل بأدواتٍ بحثيَّة علميَّة رصينة، تستوفي شرائط النظر العلمي الصحيح, وتمكُّنٍ من المناهج الحداثية والتراثية في إطارٍ تقويمي غير مسبوق، يحقق الشُّروط التَّكاملية والشُّمولية في جملة إنتاجه المعرفي التَّجديدي, إلا أن هذا المشروع على الرغم من جدَّته وطرافته لم يحظ بالدَّرس والبحث من لدن أبناء الصحوة الإسلامية المعاصرة بسبب حراس الأصنام الفكرية المعادية للتجديد والإبداع.
محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي
mohdzahidgol@hotmail.com
كتبها محمد زاهد كامل جول في 01:03 صباحاً ::
الاسم: محمد زاهد كامل جول
