لعل مفهوم الجهاد من أكثر المفاهيم الإسلاميَّة تعرضًا للتَّضييق والمحاصرة الداخليَّة والخارجيَّة. فقد ثبت بتشويهه وقصره على معنى: قتال المشركين والكافرين طلبًا للغنائم والسَّبي والأرض. ثم توسع نفرٌ آخر بحمله على معنى: قتال المخالفين في العقيدة، ولو كانوا من أهل الكتاب منعًا لحرية الاعتقاد. ثم تطوَّر الادعاء بحمله على معنى: قتال الجميع بما فيهم المسلمين باسم الدِّين منعًا لحرية الاجتهاد. ومن ثَمَّ حملوه على معنى: قتل المدنيِّين عجزًا عن قتال العسكريّين. وانتهى الأمر بحمله على معنى: قتل الأبرياء حقدًا على النَّاس جميعًا، وجعلوه مرادفًا للإرهاب الدولي.
ولا يخفى على كلِّ من نشأ في طلب الحقيقة الشَّرعية أن الجهاد أشرف من أن يُحمل على هذه المعاني المغرضة، وأصحُّ من مفهوم الحرب المقدَّسة؛ فالجهاد في الإسلام مراتب متعدِّدة، ولا ينـزل منها القتال إلا رتبةً واحدة، وليس أعلاها، وهذا القتال لا يتمُّ نصرةً للذَّات، وإنَّما نصرةً للإنسان من أجل إقامة الحقِّ والعدل بين النَّاس كافةً، من غير التفات إلى أمة بعينها، وإنَّما إلى الإنسانيَّة جمعاء.
والجهاد القتالي لا يجب إلا حيثُ يوجد الظُّلم الذي لا ينفع في إزالته جهاد سواه، ومتى صحَّ أن الجهاد القتالي إنما هو مقاومة للظُّلم الأشد، صحّ أيضًا أنه مقاومة لإزالة العُنْف المسلّط، ومعلومٌ أن العنف ضد التَّسامح، ومن هنا يمكن القول بأن الجهاد القتالي إنما هو: مقاومة من أجل إقامة التَّسامح، ولا عبرة بجملة الآراء التي تشكِّك في مشروعيَّة أصل الجهاد، كما لو أنّ كل ذي حقّ في الأرض نال حقَّه.
والمتأمّل في اختلاف الآيات واختلاف النَّاس والأُمم، يعلم بأن الظُّلم والاعتداء لا بُدَّ من وقوعه بحسب اختلاف النفس ودوافعها، وحينئذٍ فإنَّ الجهاد القتالي يشرع لدفع الاعتداء، كما جاء في الآية الكريمة: }وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ * الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ| [البقرة: 190-194].
وتبيّن هذه الآية أنَّ أحد الأسباب الموجبة للجهاد القتالي درءُ الفتنة، وهي الاضطهاد في الدِّين، وتعذيب المؤمنين.
وبالرغم من كثرة الشُّبه التي دارت حول مفهوم الجهاد، فإنَّ الأمر في الإسلام يتَّسع للاختلاف بحسب تغيّر الأزمان، وهو أصلٌ مقرَّرٌ من أصول حقِّ الاختلاف داخل الأُمّة المسلمة وخارجها، على أن لا يعطِّل أصلا قطعيًّا ثابتًا، فالقول بأولوية "الجهاد المدني"، وهو أحد المفاهيم الأساسيَّة لدعاة الخطاب السلمي الإسلامي، وأوَّل من نادى به العلامة أبو الكلام آزاد المتوفى سنة 1958، وكان رفيقًا للمهاتما غاندي، وطيب الله، وخان عبدالغفار خان المتوفي سنة 1988، والمفكر المعاصر وحيد الدين خان، وقد تبنَّى هؤلاء المسلمون في شبه القارة الهندية تعبير "اللاعنف" ليحمل فكر ومفهوم تقنيّة فاعلة في الصّراع، وكفيلة بإنجاز تحوُّل اجتماعي سلمي، ومن أبرز دُعاته في العالم العربي جودت سعيد وخالص جلبي. يستحق النَّظر بحسب فقه الأولويات، وليس تعطيل الآيات، وكذلك مفهوم الجهاد الأخلاقيّ والمفهوميّ.
ولعلَّ التَّركيز على الوظيفة الإحسانيَّة والتسامحية للجهاد، هو أنجع الوسائل لدرء آفة العُنف والتَّطرف والغلو، والتي أصبحت وصفًا لازمًا للمسلمين بعد الأحداث الشنيعة والتفجيرات العشوائية والقتل المجاني.
ولعل ظاهرة العنف من أخطر التَّحديات التي تواجه الأُمَّة الإسلاميَّة اليوم، بحيث يجب أن تتضافر كافة قوى الأُمَّة لإعادة الاعتبار لمفهوم الجهاد، وبيان حال الأمة الوسطيَّة القرآنية، منعًا من الوقوع في آفات الأمم السَّابقة من الغُلُو والتَّطرف في الدين كما جاء في الآية الكريمة: }يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ| [النساء: 171]، والآية الكريمة: }لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ| [البقرة: 256].
ولا يخفى على أحدٍ أن الإسلام يحثُّ على ثقافة السَّلام، أما القتال فهو بقدر الحاجة دون مجاوزة الحدود المقرَّرة، أما الاعتداء على الغير واستهداف المدنيِّين بحجَّة أنهم محاربون، أو كونهم من دافعي الضَّرائب، وغيرها من الحجج فإنها لا تستند إلى أدلةٍ شرعيَّة صحيحة، واستدلال في غاية الخطورة، والحق أن الإرهاب و العنف لا يتطابقان مع الإسلام وروحه الاختلافية المتسامحة، ولا سبيل إلى التَّخلص من آفات العنف والتطرف والغلو إلا بتضافر الجهود العلميَّة والإعلاميَّة، ويتحمل العلماء مسؤولية كبيرة في الخروج من الأزمة، ذلك أنّ آفة العنف لا يمكن أن تصرف إلا بالفكر وليس من خلال الحُلُول الأمنيَّة والعسكرية، فالاختلاف الفكري لا يُسوّى بالعنف وإنما بالحوار، ولا يؤدي إلى الخلاف، بل إلى الوفاق والاتفاق، ولا يرسّخ الفرقة وإنما يبثّ الألفة بين النَّاس، ولذلك كان الجهاد الأخلاقي المنظور يصرف آفة العنف والخلاف والفرقة، كما أن وجود الاختلاف في الآراء لا يضرُّ وجود الجماعة بل يعمل على تثبيتها وتحصينها.
محمد زاهد جول
كاتب وباحث تركي في قضايا الفكر الإسلامي
المصدر جريدة الوطن العمانية
كتبها محمد زاهد كامل جول في 06:21 مساءً ::
الاسم: محمد زاهد كامل جول
